أحمد بن علي القلقشندي
59
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
آخر حدودها ، وبما أمر به كافّة العربان المقيمين بهذه البلاد ، وجميع أهلها من حاضر وباد : من الإعلان لك بشعار الطاعة ، وصون ما يلزمهم أداؤه إليك من فروض النّصح عن الإضاعة ، وأن يبذلوا في موافقتك غاية الاجتهاد ، ويعتمدوا من امتثال مراسمك أحسن اعتماد ، ويحذروا من العدول عن أمرك ، ويجتنبوا مخالفة نهيك وزجرك ؛ فاستمسك بحبل التقوى الفائز من يعتصم به ويتعلَّق ، واستشعر من خيفة اللَّه ما يشرق لأجله عليك نور الرّضوان ويتألَّق . قال اللَّه تعالى في كتابه المكنون : * ( إِنَّ الله مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ ) * ( 1 ) وعامل أهل هذه الولاية بالإنصاف ، وإيّاك ومكروه العدول عن محجّة العدل والانحراف ، وتوقّ العسف بهم والحيف عليهم ، واجتنب الترخيص لأصحابك في مدّ يد أحد منهم بعدوان إليهم ، وسر فيهم سيرة ترؤف بهم وترفق ، وجانب سبيل من تقوم عنده أسواق اختلاق المتخرّصين وتنفق ، ولا تخرج في تدبير الأمور عن قانون الشّريعة ، ولا تجعل لك إلى فوز الآخرة عن تقديم العمل الصالح من ذريعة ، وغلّ عنهم أيدي حاضري المفسدين وأياديهم ، وأبنهم بالمهابة عن إصرارهم على المنكرات وتماديهم ، وكل بهم عزما رادعا لهم وازعا ، ونكَّل بمن ظفرت به منهم تنكيلا يزجر من يظلّ بحر الضّلال نازعا ، وشدّ من خلفاء الحكم العزيز في تنفيذ قضاياه ، وخصّهم من الكرامة بما تقتضيه إقامة مناره وإنارة مزاياه ، واعتمد ما يعيد الحقائق بوجوه ناضرة ، ويرّد الأباطيل بصفقة خاسرة ، وراع أمور التّجّار والحجّاج مراعاة تشملهم في السفر والإقامة ، وتحميهم من تطرّق استهانة إلى أحد منهم واستضامة ، وطالع بما يتجدّد من أحوال خدمتك ، وما يحتاج إلى علمه من جهتك ، إن شاء اللَّه عز وجلّ . وهذه نسخة بولاية الفرما ( 2 ) ، وهي :
--> ( 1 ) النحل / 128 . ( 2 ) الفرما : مدينة قديمة بين العريش والفسطاط قرب قطية وشرقي تنّيس على ساحل البحر ( معجم البلدان : 4 / 256 والانتصار : 5 / 53 ) .